هدير الإذاعة .. من شيفرة ماركوني إلى الاتصال الرقمي الذكي
بقلم : بسمة العبيدي

منذ أن أطلق غولييلمو ماركوني شرارة اختراعه الأول للتلغراف اللاسلكي في أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن العالم يدرك أنه على موعد مع الوسيلة التي ستصبح صوت الشعوب النابض عبر الزمن. لقد تحولت فكرة ماركوني من مجرد تجربة تقنية لنقل الإشارات إلى مؤسسة إعلامية ، استطاعت أن تساهم في صياغة الوعي الجمعي وتحويل الهواء إلى جسور من المعرفة والمعلومة والسياسة والترفيه وتثقيف وتوعية المجتمعات، وصولاً إلى يومنا هذا في عام 2026، حيث يقف الراديو شامخاً رغم كل العواصف التكنولوجية التي مرت عليه.
لقد عاشت الإذاعة زمنها الذهبي كأكثر الوسائل انتشاراً وتأثيراً، واستمدت صمودها عبر قرن ونصف من الزمان من قدرتها المذهلة على التكيف وتجسيد روح العصر في كل مرحلة، ويمكن تلخيص هذه المسيرة التاريخية والمهنية في محطات مفصلية:
منها البعد التاريخي والمهني، بدأت القصة كطفرة في الاتصال اللاسلكي، لكنها سرعان ما تجسدت كأداة للتغيير الاجتماعي ولسان حال للمجتمعات، حتى جاء عام 1946 ليشهد أول بث إذاعي للأمم المتحدة، وهو التاريخ الذي اعتمدته (اليونسكو) يوماً عالمياً للاحتفاء بهذه الوسيلة التي منحت من لا صوت لهم منبراً حراً يخاطب العقول والقلوب دون قيود.
البصمة العراقية ورواد الأثير :
وإذا كان العالم يحتفي بماركوني كمخترع، فإن ذاكرة الأثير العراقي تفخر بقامات جمعت بين وهج الميكروفون ورصانة الفكر، ونذكر منهم:
الأستاذ الدكتور حارث عبود : تلك الشخصية الغزيرة بالعطاء، وصاحب الصوت الشجي الرقراق واللسان العربي الفصيح. لم يكن الدكتور عبود مجرد إذاعي، بل كان قيمة معرفية وأكاديمية جسدت مفهوم (الإعلامي المثقف) من خلال برنامجه الأيقوني (سلام الله عليكم) الذي قدم أكثر من 3000 حلقة على مدى عشر سنوات متتالية، محولاً الحديث الإذاعي إلى مادة ثرية في الفكر والتربية والأخلاق. وبصفته أكاديمياً وباحثاً رصيناً في تكنولوجيا الإعلام والتعليم، استطاع أن يمزج بين هيبة الأستاذ الجامعي ودفء المذيع المبدع، تاركاً إرثاً يمتد من أروقة كلية الفنون الجميلة كعميد لها، إلى أثير إذاعة بغداد كمدير وأحد أعمدتها الراسخة.
الأستاذ حافظ القباني: الملقب (بكبير المذيعين) وأستاذ الأجيال، الذي لم يكن مجرد قارئ لنشرات الأخبار، بل كان صحفياً متمكناً ومؤلفاً وضع أسس التدريب الإذاعي في العراق. القباني، الذي امتلك قدرة فذة على الحوار التلقائي، أثبت أن المذيع الحقيقي هو من يطور ثقافته ولغته باستمرار، ليصبح صوته علامة فارقة في المناسبات الرسمية الكبرى، وهو الذي كُلف بمهمة تأسيس معهد التدريب الإذاعي في بغداد، ليظل أثره باقياً في كل جيل تتلمذ على يده.
الرائدة أمل المدرس: (أيقونة الإذاعة) وصاحبة الصوت العذب التي بدأت مسيرتها عام 1962 وهي لا تزال طالبة، لتنجح في اختبار الإذاعة الصعب وتثبت حضورها كواحدة من جيل الرواد. اشتهرت بتقديم برامج لامست وجدان العراقيين مثل برنامج (عشر دقائق) الذي استمر لأكثر من 35 عاماً، وبرنامج (ستوديو عشرة). المدرس لم تكن مجرد صوت، بل كانت رمزاً للإبداع نال تكريمات دولية رفيعة، منها اختيارها (امرأة العام) من قبل منظمة بريطانية عام 2008 كأول امرأة عربية مسلمة تنال هذا اللقب، لتُتوج مسيرتها بلقب (مذيعة القرن).
تواصل الأجيال.. نبض الميكروفون المستمر
ولا تقف القائمة عند هذه الأسماء، بل تمتد لتشمل كوكبة وضاءة من المبدعين الذين شكلوا مدرسة الإذاعة العراقية عبر عقود، وصولاً إلى طاقات شبابية واعدة في وقتنا الحاضر تسلمت الأمانة بشغف كبير. إن هؤلاء الإعلاميين الجدد، الذين يمزجون اليوم بين رصانة الإلقاء ومرونة التقنيات الرقمية، نجحوا في صياغة بصمتهم الخاصة وضمان استمرارية هيبة الميكروفون مؤكدين أن الأثير العراقي لا يزال ولاداً للمواهب ، من ترجل منهم ترك أثراً لا يمحى، ومن لا يزال يصدح بصوته يمثل الامتداد الحي لعطاء لا ينضب.
الإذاعة في مواجهة الطوفان الرقمي:
على مر العقود، واجهت الإذاعة تحديات كبرى، بدأت بظهور التلفزيون الذي ظن البعض أنه سيسحب البساط من تحتها، وصولاً إلى عصر الفضاء والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي طغت بصورها وتفاعلها اللحظي، ومع ذلك، بقيت الإذاعة هي الوسيلة الوفية التي لا تتطلب من الإنسان سوى (أذنه) فهي ترافقه في زحام الطرقات، وفي العمل، وفي ساعات العزلة، دون أن تفرض عليه البقاء سجيناً خلف شاشة أو تطبيق.
رغم عصر التفاعل الحديث في واقعنا الحالي، لم تندثر الإذاعة بل انصهرت في صلب الميديا الحديثة فتحول البث التقليدي إلى (بودكاست) وأصبح المستمع شريكاً في صناعة المحتوى عبر المؤسسات الرقمية التفاعلية. لقد استثمرت الإذاعة تقنيات العصر لتعيد إنتاج نفسها بهوية أكثر حداثة، متمسكة بجوهرها الأصيل وهو صدق الكلمة ودفء الصوت.
إن ما يميز العمل الإذاعي اليوم هو هذا المزيج الفريد بين إرث الماضي وتكنولوجيا المستقبل. فرغم منصات الميديا التي تعج بالمحتوى البصري، يبقى للراديو سحره الخاص الذي يبني خيالاً لا تبنيه الصورة، ويحمل نبض الشارع بواقعية لا تجيدها الخوارزميات. ستبقى الإذاعة، مهما تعددت الوسائل، هي الأصل تقديراً لمسيرة بدأها (ماركوني) كحلم، وخلدها الإذاعيون كواقع يضج بالحياة والإبداع.