ثلاثةُ نيرانٍ تُحرقُ القلوب
خليفة الشرقي

ليستِ النيرانُ سواء…
فبعضُها يُدفئ، وبعضُها يُهلك، وبعضُها يُنذر قبل أن يشتعل الحريق.
وفي قلبِ الإنسانِ ثلاثُ نيرانٍ كبرى:
نارُ الحبّ… ونارُ الحقد… ونارُ الغضب.
ثلاثةُ لهيبٍ… واحدُ الموقد… مختلفُ المصير.
أولاً: نارُ الحبّ — حين يحترقُ القلبُ ليُضيءَ
نارُ الحبّ هي النارُ الوحيدة
التي لا يُخشى اشتعالُها… بل يُخشى انطفاؤها.
تشتعلُ حين يلتقي المعنى بالمعنى،
والروحُ بالروح،
فتحرقُ الأنانيّة،
وتذيبُ القسوة،
وتحوّلُ الإنسانَ من كائنٍ يأخذ… إلى كائنٍ يُعطي ويضحي والمثل الأعلى عن التضحية هو العاشق والام…
ولذلك قرنها الدينُ بالإيمان،
فجاء في الأثر:
«لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه»،
فجعل الحبَّ معيارَ اكتمال الإيمان… لا مجرّد عاطفة.
وفي التصوّف سُمّيت نارَ الشوق،
النار التي تحرق الحُجب بين العبد وربّه،
حتى قالوا:
“المحبّةُ نارٌ… ما دخلت قلباً إلا أحرقت ما سوى المحبوب.”
أمّا الفلسفة،
فرأت في الحبّ طاقةَ ارتقاء،
سلّماً تصعد به الروح
من حبّ الجمال الأرضيّ… إلى تأمّل الجمال المطلق.
وإن خمدتْ ظاهراً،
ظلّتْ جمراً في الذاكرة،
ووهجاً في الدعاء،
ونوراً في الحنين…
فالحبّ لا ينتهي كما تنتهي النيران؛
إن انتهى لقاءً… استمرَّ وفاءً،
وإن انتهى حضوراً… عاش أثراً…
لذلك كانت خاتمتُه نوراً،
لأنّ ما يحترقُ فيه هو الظلام… لا القلب.
ثانياً: نارُ الحقد — حين يحترقُ القلبُ ليُظلِم
أمّا نارُ الحقد،
فهي النارُ التي تأكلُ صاحبَها قبل غيره…
لا تحتاجُ حطباً…
بل يكفيها جرحٌ قديم،
أو مقارنةٌ مسمومة،
أو ذاكرةٌ ترفضُ الصفح…
تلتهمُ الطمأنينة،
وتعكّر صفوَ الروح،
وتحوّلُ القلبَ إلى موقدِ شكٍّ ملتهب دائم…
وصاحبُ الحقدِ يظنّ أنّه يُعاقبُ غيره،
بينما هو يحرسُ النارَ محترقة في صدره…
ولذلك حذّرت الأديانُ منه،
لأنّه يُفسد العمل قبل أن يُفسد الشعور…
وفي الأثر:
«تُعرضُ الأعمال يوم القيامة فيُغفرُ لكلّ امرئٍ لا يُشرك بالله شيئاً،
إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه بغضاء وشحناء».
وفي الدعاء القرآنيّ إشراقٌ عظيم:
﴿ولا تجعل في قلوبنا غلّاً للذين آمنوا﴾،
كأنّ صفاء القلب نعمةٌ تُسأل… لا خُلُقٌ يُفترض.
أمّا الفلسفة،
فعدّت الحقد عبوديّةً خفيّة،
إذ يبقى الإنسانُ أسيرَ من يكره،
مشدوداً إليه بذاكرة الألم،
يحمل ناراً لا تحرق سواه والمقابل صافي القلب وفي طمأنينة…
ومصيرُها مهما طال الاشتعال؛
إمّا رماداً ثقيلاً يورثُ التعب،
أو دمعةَ عفوٍ تُطفئها فجأة…
فإذا انطفأت… أراحت،
لأنّها لم تكن تحمل نوراً منذ البداية.
ثالثاً: نارُ الغضب نارٌ تُنذر قبل أن تحكم
يبقى الغضبُ ناراً ثالثة…
ليست كالحبّ ولا كالحقد.
هو نارُ لحظة،
تشتعلُ حين تُجرحُ الكرامة،
أو يُهانُ الحق،
أو يختلُّ ميزانُ العدل…
في أصلِه طاقةٌ نبيلة:
به نرفضُ الظلم،
وبه نحمي الحدود،
وبه نقول: “كفى”.
فالغضب بالونة نادرا ما تؤذي ان انفلقت…
ولذلك لم يأتِ الدينُ ليُطفئه… بل ليُهذّبه.
قيل للنبي ﷺ: «أوصِني»، قال: «لا تغضب»،
أي لا تجعله سيّدك.
وفي الحديث:
«ليس الشديدُ بالصُّرَعة،
إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب»،
فنقل القوّة من الجسد… إلى السيادة على النفس.
أمّا الفلاسفة،
فرأوا الغضب قوّةً دفاعيّة ضروريّة،
بدونه يذبل العدل،
لكنّهم اشترطوا أن يكون خادماً للعقل… لا حاكماً عليه.
فسقراط كان يقول:
“تكلّم وأنت غاضب…
فستقول أعظمَ حديثٍ تندم عليه.”
فهو سيفٌ من لهب؛
إن ضُبط… صار عدلاً،
وإن أُطلق… صار تهوّراً.
ومصيرُه يتحدّد بميزان صاحبه:
إن أطفأه بالحِلم… تحوّل حكمة،
وإن كتمه مرارةً… صار جمراً خفيّاً،
وإن أطلقه طيشاً… انتهى ندماً.
فكم كلمةٍ قالها الغضب…
وبكى عليها العقل طويلاً بدموع الندم…
خاتمة النيران الثلاث
هكذا تحيا القلوب بين ثلاثة لهيب:
* نارُ الحبّ… تحرقُ لتُضيء،
* نارُ الحقد… تحرقُ لتُظلِم،
* نارُ الغضب… تحرقُ لتنذر عدلا أو سيئة.
فإن أردتَ النجا
بقلبك،
فاجعل للحبّ وقوداً،
وللغضب ميزاناً،
وللحقد بابَ عفوٍ لا يُغلق…
لأنّ أخطرَ ما في النيران
ليس اشتعالها…
بل أيُّها تختار أن تُسكنه في قلبك.
فالقلبُ ليس مطالباً أن يخلو من النار…
بل أن يُحسن تهذيبها،
ليتحوّل الحريق فيه
من لهبٍ يُهلك…
إلى نورٍ يهدي وينير.