شاعر وقصيدة

مرثية الماء الأخير .. من أسطورة الطوفان إلى جنازة الأهوار

بقلم خليفة الشرقي

 

 

 

 

لم يكن الطوفان، في البدء، لعنةً خالصة، بل كان اللغة الأولى التي خاطب بها الماءُ الإنسان حين فاضت الأرض، لم تكن تغرق فقط، كانت تُعاد صياغتها، ويُعاد امتحان معنى البقاء

في جنوب العراق، حيث اعتاد التاريخ أن ينام على وسادةٍ مائية، لم يكن الماء طارئًا، كان أصل الحكاية، وكان الإنسان ابن ذلك البلل الأول

الطوفان: الولادة العنيفة للعالم

في نصوص سومر وبابل، وفي ذاكرة الإنسان الأولى، لا يظهر الطوفان كحادثةٍ عابرة،

بل كحدٍّ فاصلٍ بين زمنين:

زمنٍ لا يعرف الإنسان فيه حدوده، وزمنٍ يتعلّم فيه أن الطبيعة لا تُقهَر… بل تُفهَم.

كان الخليج العربي يمتد شمالًا، يعانق أور وأريدو، ويجعل من المدن الأولى مدنًا واقفةً بين البحر والسماء

هناك، لم تكن الأسطورة خيالًا، بل تاريخًا كُتب بلغة الماء

نوح: حين صار الإيمان سفينة

وحين بلغ الماء ذروة غضبه، لم يكن الإنسان وحيدًا في قلب الطوفان، وقف نبيّ الله نوح عليه السلام، لا كناجٍ فحسب،

بل كشاهدٍ على أن الرحمة تسبق الغرق

لم يبنِ نوح سفينته على شاطئٍ آمن، ولا عند بحرٍ ينتظر الموج، بل بناها في أرضٍ يابسة، تحت سخرية قومٍ لم يدركوا

أن النجاة لا تُقاس بالمكان، بل بالطاعة

كانت سفينة نوح ليست خشبًا ومسامير، بل فكرة خلاص، أول مشروع إنقاذ في تاريخ الإنسان، وأول إعلانٍ سماوي

أن الله لا يُهلك الحياة، بل يعيد ترتيبها

وحين جاء الطوفان، لم تكن السفينة هروبًا من الماء، بل عبورًا فوقه.

وحين انحسر، لم تكن نهايته نهاية الحكاية، بل بدايتها

انسحاب البحر: التراجع الذي صنع الحياة

ثم، وعلى مهلٍ يشبه الحكمة، بدأ الماء العظيم يتراجع لا هروبًا، ولا هزيمة، بل كتراجع من أدّى رسالته وترك المجال لوريثه

دجلة والفرات، بخطاهما الطينية الثقيلة، تقدّما، راكما الأرض، ودفعا اليابسة جنوبًا وحين انسحب البحر، لم ينسحب بلا أثر، ترك خلفه منخفضاتٍ، ملحًا، وظلالَ موجٍ لم تجفّ

الأهوار: وريثة الطوفان وبقية الرحمة

من ذلك الانسحاب، ومن بقايا الطوفان بعد أن هدأ، وُلدت الأهوار لا كحادثة جغرافية، بل كـ ذاكرةٍ سائلة تحمل في طعمها

أثر البحر، وفي نبضها إصرار النهر

الأهوار ليست ماءً فقط، إنها ما تبقّى من الرحمة بعد الغضب قصبها كان صلاةً خضراء، سمكها كان علامة حياة، وقواربها كانت جسورًا  بين الأسطورة واليوم

الإنسان المائي

سكان الأهوار لم يسكنوا الماء، الماء هو الذي سكنهم بنوا بيوتًا لا تعادي الفيضان، وعاشوا دون أن يعلنوا الحرب على الطبيعة، ولا يوقّعوا صلحًا مذلًا معها

هناك، لم ينتهِ عصر الأسطورة، بل استمرّ بهدوء

الآن… الجنازة

لكن الآن لا غدًا، أصبحت الأهوار خالية من مائها، يتيـمة من سمكها، وصامتة بلا قصبٍ يرافق الريح

الماء الذي كان ذاكرة صار غيابًا والقصب الذي كتب التاريخ انكسر صوته….

والسمك الذي كان حياة صار سطرًا في كتب منسية

الأهوار اليوم لا تُغرق العالم كما في الطوفان، بل تغرق وحدها.

تلفظ أنفاسها الأخيرة بصمتٍ نبيل، كمن يعرف أن الموت حين يطول الإهمال يأتي بلا ضجيج

كأنها تقول للتاريخ:

لم أخنك لكنهم نسوني

الوصية الأخيرة: الرثاء الباكي

ومع ذلك، لا تلعن الأهوار أحدًا، ولا تطلب ثأرًا، بل تهمس وهي تُسجّى في نعش الجفاف:

اليوم، نقرأ عليها سورة الفاتحة، كما تُقرأ على جسدٍ نعرف ملامحه ولا نجد فيه نفسًا نبكي القصب والسمك والجاموس،

نبكي الأرض التي كانت أمًّا وصارت قبرًا رحمة الله واسعة والماء لا ينسى طريقه، وقد يعيد الحياة لنا كما أعادها من قبل كالموت الذي ليس نهاية… بل قيامة جديدة.

فالأهوار، وإن جفّ ماؤها، لم تجفّ ذاكرتها وإن غاب القصب، لم تغب الروح

إنها لا تموت بل تنتظر. وفي جنوب العراق، لا يُدفن الماء، بل تؤجَّل قيامته

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار