بداية البشر والحضارات: من الجينات إلى التاريخ المسجَّل
الاستاذ الدكتور خليفة الشرقي
استشاري الأمراض الجلدية وباحث في العلوم الطبية وأديب

تمهيد
منذ أولى خطوات الإنسان العاقل على سطح الأرض، لم يكن الوجود البشري حدثًا مفاجئًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاستمرارية الإنسانية. تشير الأدلة الجينية والأنثروبولوجية إلى أن البشر الحديثين (Homo sapiens) خرجوا من إفريقيا قبل نحو 60–70 ألف سنة، وانتشروا تدريجيًا في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
كان الإنسان حاضرًا، يتنقّل، يصطاد، يزرع، ويُنتج أدواته، لكنه لم يكن قد دخل بعدُ مرحلة الذاكرة المكتوبة، وهي العتبة الفاصلة بين الوجود البشري والتاريخ المسجَّل.
من الوجود الجيني إلى الذاكرة الحضارية
تكشف دراسات الحمض النووي القديم (Ancient DNA) أن شعوب أوروبا، والهند، والشرق الأوسط، ووادي النيل، كانت موجودة قبل آلاف السنين من ظهور أي حضارة مدوَّنة. غير أن هذا الوجود، رغم عمقه الزمني، لم يتحوّل إلى تاريخ إلا حين ظهرت الكتابة بوصفها أداة لتثبيت الزمن، وتنظيم المجتمع، وحفظ المعنى.
فالفرق الجوهري هنا ليس بين إنسانٍ وإنسان، بل بين وجودٍ بلا سجل ووجودٍ واعٍ بذاته عبر التدوين.
ولادة الحضارات المسجَّلة: سومر – مصر – وادي السند
مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، شهد العالم ثلاث بؤر حضارية كبرى، متقاربة زمنيًا، مختلفة وظيفيًا، لكنها متكاملة في المعنى.
في جنوب بلاد الرافدين، ظهرت الحضارة السومرية قرابة 3500–3000 قبل الميلاد، وكانت الأولى في تحويل اللغة إلى نظام كتابة واضح عبر الخط المسماري. لم تكن الكتابة السومرية في بداياتها فلسفية أو أسطورية، بل عملية ووظيفية؛ وثّقت الاقتصاد، القوانين، العقود، والإدارة.
بهذا المعنى، كتب السومريون يوم الإنسان، وجعلوا من الحدث وثيقة، ومن الزمن أرشيفًا.
وفي وادي النيل، تشكّلت الحضارة الفرعونية مع توحيد مصر العليا والسفلى نحو 3100 قبل الميلاد. استخدم المصريون الكتابة الهيروغليفية، وهي كتابة رمزية تصويرية، لم تُصمَّم لإدارة السوق بقدر ما صُمّمت لتثبيت المعنى والقداسة والخلود.
إذا كانت سومر قد وثّقت الحاضر، فإن مصر وثّقت الما وراء، وجعلت من الكتابة جسرًا بين الأرض والسماء، ومن الدولة نظامًا كونيًا مستمرًا.
أما في وادي السند، فقد نشأت حضارة حضرية متقدمة نحو 2600 قبل الميلاد، تميّزت بتخطيط مدنها، ونظم الصرف الصحي، والتنظيم العمراني الدقيق. عُرفت رموز كتابتها، لكنها لم تُفكّ حتى اليوم، مما جعل حضورها النصّي أقل وضوحًا، رغم توازيها الحضاري مع سومر ومصر.
وادي السند يمثّل نموذج المدينة المكتملة قبل اكتمال الذاكرة المقروءة.
وحدة الوظيفة لا صراع الأسبقية
ليست هذه الحضارات في صراعٍ على لقب “الأقدم”، بل في توزيعٍ للأدوار الحضارية:
• سومر أسّست التاريخ الإداري والقانوني.
• مصر أسّست التاريخ الرمزي والميتافيزيقي.
• وادي السند جسّد المدنية المنظمة بصمتها الخاصة.
وجميعها قامت على شعوب كانت موجودة جينيًا منذ آلاف السنين، لكن التحوّل لم يكن في الجينات، بل في تحويل الذاكرة الشفوية إلى ذاكرة مكتوبة.
الشعوب غير المذكورة في السجلات الأولى
لم تذكر النصوص السومرية أو الفرعونية الشعوب الأوروبية أو الهندية البعيدة، لا لغيابها البشري، بل لغيابها الحضاري المكتوب آنذاك، وللبعد الجغرافي. فالتاريخ المسجَّل لا يكتب كل ما هو موجود، بل ما هو متصلٌ إداريًا أو ثقافيًا بمركز التدوين.
بين التاريخ والأسطورة
تتناقل بعض الروايات والأساطير إشارات إلى تسمية مناطق وقارات بأسماء شخصيات أو بنات قادة قدماء، ومن ذلك ما يُنسب إلى قائد آشوري أطلق أسماء بناته على مناطق كأوروبا وليبيا وإفريقيا.
هذه الروايات، وإن كانت غير مثبتة تاريخيًا، تعكس وعي الإنسان القديم بمحاولة ربط الجغرافيا بالنسب والذاكرة، وهي تنتمي إلى الحقل الرمزي الثقافي، لا إلى الحقيقة الجينية أو التاريخية الصارمة.
خاتمة
من الجينات إلى الحضارة، لم يكن الإنسان غائبًا قبل الكتابة، لكنه كان بلا سجل.
ومع سومر، ومصر، ووادي السند، بدأ الإنسان لا يَحيا فقط، بل يتذكّر نفسه.
فالوجود البشري أقدم من كل حضارة،
لكن الحضارة تبدأ حين يكتب الإنسان أثره،
وحين يتحوّل الزمن من مرورٍ عابر
إلى ذاكرةٍ لا تموت.