الخيانةُ ليست خطيئةً واحدة… بل طبقاتٌ من السقوط.
خليفة الشرقي

أن تخونَ وطنًا… فذلك ضلالُ عقلٍ لم يُدرِك معنى الاستخلاف في الأرض،
إذ الوطنُ أمانةُ الجماعة، ومن فرّط بالأمانة خان عهد الله قبل عهد الناس…
وأن تخونَ صديقًا… فهذه هزيمةُ الأخلاق حين تعجز عن صون المودّة،
فالوفاء في فلسفة القيم هو ما يجعل الإنسان إنسانًا،
وما يرفع العلاقات من تبادلِ منفعةٍ إلى مقامِ إنسانيةٍ راقية…
لكن…
أن تُفشي سرَّ مريض،
أن تبيعَ وجعه في أسواق الكلام،
أن تكشفَ سترَ ضعفه لمن لا حقَّ له…
فهنا تجتمعُ خيانةُ الدين، وانكسارُ الفلسفة، وسقوطُ الأخلاق معًا…
دينيًّا:
السرُّ أمانة، والله يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾،
ويقول النبي ﷺ: «المستشار مؤتمن»،
فكيف بمن اؤتمن على الجسد والروح معًا؟
فلسفيًّا:
الثقةُ هي العقدُ غير المكتوب الذي تقوم عليه الحضارة،
فإذا انهار، تحوّل الإنسان إلى كائنٍ خائف،
وتحوّل العلمُ إلى أداةِ رعبٍ بدل أن يكون أداةَ رحمة…
أخلاقيًّا:
سرُّ المريض ليس معلومة… بل كرامة…
وليس خبرًا… بل حرمة.
والأخلاقُ الحقّة تُقاسُ عند مواضع الضعف لا القوّة…
فالطبيب وكلُّ من اؤتمن
يقف عند حدٍّ فاصل:
إمّا أن يكون حارسًا لستر الله على عباده،
أو خائنًا يرفع الستار عمّن احتمى به…
ارحموا ضعفَ الناس…
فالله ستّيرٌ يحبّ السِّتر،
ومن سترَ إنسانًا في ألمه،
ستره الله يوم تنك
الأسرار…
أمّا من باع أسرارَ الخلق بثمنٍ بخس،
فقد خسرَ ضميرَه…
ومن خسر ضميرَه،
فلن تُربحه الدنيا شيئًا…