دجلة والفرات: شريان العراق المهدَّد بالجفاف .. تحدّيات البقاء في زمن العطش
بقلم / بسمة العبيدي

يواجه العراق اليوم واحدة من أخطر أزماته البيئية في تاريخه الحديث، إذ يهدّد الجفاف شريانيه الحيويين، دجلة والفرات، مهدِّداً حياة ملايين السكان وأمن البلاد المائي والغذائي. فالأرض التي أنجبتها المياه تواجه الآن خطر الاندثار، وبلاد الرافدين التي كانت يوماً مهد الحضارات تقف على حافة العطش.
لطالما كانت بلاد الرافدين مرادفاً للحياة والخصب، مدينةً بوجودها لتدفّق نهريها العظيمين. غير أن دجلة والفرات لم يعودا اليوم رمزاً للخصب فحسب، بل تحوّلا إلى عنوانٍ لأزمة وجودية حقيقية. فالتناقص الحاد في منسوب المياه، وتراجع خزين السدود إلى مستويات حرجة، وتزايد موجات الجفاف، لم تعد مجرّد إنذارات مستقبلية، بل واقع يضرب بقسوة الأمن المائي والغذائي للعراق بأكمله.
تعود جذور الأزمة إلى عوامل متشابكة، في مقدّمتها التغيّرات المناخية التي قلّصت معدلات الأمطار ورفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، وسوء إدارة الموارد المائية داخلياً، إضافةً إلى السياسات المائية لدول المنبع، خصوصاً تركيا وإيران، اللتين أقامتا مشاريع وسدوداً ضخمة على روافد النهرين، ما قلّل تدفّق المياه إلى الأراضي العراقية بشكلٍ كبير خلال العقود الأخيرة. هذه العوامل مجتمعة دفعت البلاد إلى دخول ما يمكن تسميته بـ”مرحلة العطش الوطني“.
الانعكاس الأشدّ يظهر في القطاع الزراعي الذي يشكّل مصدر رزقٍ لملايين العراقيين. فعندما يتراجع النهر، تتراجع معه سبل العيش. تقلّصت المساحات المزروعة بشكلٍ واضح خلال السنوات الأخيرة، واضطرت الحكومة إلى تقليص زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه كالحنطة والرز، ما أدّى إلى خسائر اقتصادية فادحة للمزارعين وتهديد مباشر للأمن الغذائي الوطني.
كما أن انخفاض مناسيب المياه يمنع غسل الأملاح من التربة، فتزداد ملوحتها وتتحوّل الأراضي الخصبة إلى أراضٍ قاحلة غير منتجة، خاصة في محافظات الجنوب التي كانت تُعدّ “سلة غذاء العراق”. في بعض مناطق البصرة وذي قار وميسان، تجاوزت ملوحة التربة والمياه الحدود المسموح بها زراعياً، مما جعل الإنتاج الزراعي شبه مستحيل.
هذا التدهور دفع إلى موجات هجرة داخلية متزايدة، إذ غادر آلاف الفلاحين الريف بعد أن فقدوا أراضيهم ومحاصيلهم وماشيتهم، متجهين نحو المدن بحثاً عن عمل. ومع تزايد النزوح الريفي، تتضخّم الضغوط على الخدمات والبنى التحتية الحضرية، وتتعمّق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في المدن الكبرى.
ولم تقتصر التداعيات على الزراعة فحسب، بل طالت قطاع الطاقة أيضاً. فالسدود التي تعتمد على المياه لتوليد الكهرباء تعاني من انخفاض إنتاجها بسبب تراجع الخزين المائي، مما فاقم أزمة الكهرباء، خاصة في أشهر الصيف التي تشهد أعلى معدلات الطلب.
تدهور الأنهار انعكس كذلك على مشاريع الإرواء ومياه الشرب، إذ بات تشغيل محطات الضخ مكلفاً ومعقداً، وتعرّضت الشبكات القديمة إلى الانهيار تحت ضغط قلة المياه وارتفاع الطلب، خصوصاً في المناطق النائية.
أما في أقصى الجنوب، فقد أخذت الأزمة بعداً بيئياً كارثياً. فضعف تدفّق المياه العذبة من دجلة والفرات سمح لمياه الخليج المالحة بالتوغّل في شط العرب والأهوار. وارتفعت ملوحة المياه في مناطق واسعة إلى مستويات سبّبت أزمات صحية متكرّرة، ونفوقاً للأسماك والحيوانات، وانحساراً في التنوع الأحيائي، ما يهدد الأهوار العراقية المسجّلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
إن أزمة دجلة والفرات ليست مسألة فنية أو مائية فحسب، بل قضية وجود وطنٍ بأكمله. فالعراق بلا نهريه يفقد قلبه النابض ومصدر حياته الذي صاغ حضاراته منذ آلاف السنين. إن إنقاذ النهرين يعني إنقاذ العراق ذاته، فبدونهما لن تبقى سوى أرض عطشى تنتظر من يرويها من جديد.
ولعل الإنقاذ لا يتحقق إلا عبر تحرك وطني وإقليمي عاجل يستند إلى رؤى علمية ودبلوماسية واضحة، من أبرزها:
وضع سياسة مائية وطنية شاملة تعتمد على الإدارة المستدامة للموارد وتقليل الهدر.
تفعيل الدبلوماسية المائية مع دول الجوار لضمان حصة عادلة ومنصفة من مياه النهرين وفق القوانين الدولية.
التحول نحو الزراعة الذكية قليلة الاستهلاك للمياه، مع إدخال تقنيات الري بالتنقيط والري المغلق.
توسيع مشاريع تحلية المياه في الجنوب وتطوير شبكات الإمداد المائي والبنى التحتية.
تعزيز الوعي المجتمعي بترشيد استخدام المياه واعتبارها ثروة وطنية لا تقل أهمية عن النفط.
دجلة والفرات ليسا مجرّد نهرين يجريان في الجغرافيا العراقية، بل هما ذاكرة وهوية ووجود. وحين يجفّ النهر، تجفّ معه جذور الحضارة. مواجهة هذه الأزمة مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن تكون بيئية، ولن تُكتب للحياة في العراق استمرارية إلا بعودة الماء إلى مجراه الطبيعي.