المقالات

حين تُشرق الأرض ولا تغيب الشمس

بقلم: خليفة الشرقي

 

 

 

 

في هذا النص،نقف عند مفترقٍ نادر في الأدب العربي: مزج العلم بالروح والفلسفة.
ما نراه عادة شروقًا وغروبًا ليس حركة الشمس، بل دوران الأرض حول نفسها. الشمس ثابتة، والأرض هي التي “تشرق وتغيب” بالنسبة لنا.

لم يعرف التراث القديم هذه الحقيقة العلمية، لذلك نُسب الشروق والغروب إلى الشمس نفسها.
أما في نصّنا، فينقلب المشهد ويمنح الأرض دورها الحقيقي: الأرض هي التي تتحرك، والإنسان مثلها، يقترب من النور أو يبتعد عنه، بينما يبقى النور الله والرحمة ثابتًا لا يغيب.

هنا تتشكل استعارة فلسفية وروحية جديدة:
حركة الأرض تمثل حركة القلوب نحو النور،
الابتعاد عن الضوء يرمز إلى ابتعاد القلب عن الطمأنينة،
بينما يظل النور ثابتًا، كرحمة الله وحقيقة الحب الصادق.

النص بذلك يصبح شعرًا فلسفيًا معاصرًا، يمزج بين العلم، الروح، والمعنى الإنساني، ويضع القارئ أمام الكون كمرآة للروح.

النص

نقولُ: أشرقت الشمس…
كأنها هي التي تصعد إلينا من حافة السماء،
لكن الحقيقة أعمق من لغتنا،
وأصدق من عيوننا…
فالتي تُشرق حقًّا هي الأرض،
تدورُ بشوقٍ نحو نور ربّها،
كما تدور القلوب نحو رحمةٍ
لا تتبدّل ولا تتأخر…

تتقلّب الأرض مع الضوء،
كما يتقلّب العاشق حين يسمع نبض محبوبه،
وكلما اقتربت من الشمس
ازداد في أعماقها دفءٌ
يعرفه كلُّ من اقترب من الله…

وفي لحظة الفجر،
حين تفتح الدنيا عينيها على أول خيطٍ من النور،
تبدو الأرض كأنها سجدت سجدةَ ضياء،
وقالت للعالم بصوتٍ لا يُسمع:
«ما دام الله يبسط نوره،
فلن يضيع قلب،
ولن يُطفأ أمل…

وعند الغروب…
نظن أنّ الشمس تغيب،
لكننا في الحقيقة نبتعد عنها قليلًا،
كما يبتعد القلب عن الطمأنينة
إن أثقلته الهموم،
أو غطّاه غبار الدنيا…

الشمس ثابتة،
كثبات رحمة الخالق،
وكثبات الحبّ حين يصدُق،
لا يتغيّر وإن تغيّرنا،
ولا يغيب وإن غِبنا عنه…

ما نسميه شروقًا وغروبًا
ليس سوى حوارٍ سرّي
بين الأرض ونورها،
وبين الروح وبارئها،
وبين العاشقين وخلود العاطفة في صدورهم…

فالله هو النور،
والحبّ هو الشعاع،
ونحن…
نحن الكواكب الصغيرة
التي تبحث دائمًا عن مدارها،
وتسعى نحو ضوءٍ
لا يزول،
ولا يغيب…
ونقول الارض أشرقت
والضوء هرب من الارض وغابت…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار