مجموعة قصص قصيرة: فصول بلا طقس
بقلم : الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

1. فصول بلا طقس
لم أكن أؤمن بالفصول يومًا، كنت أراها اختراعًا بشريًا لترتيب الفوضى، محاولة يائسة لإقناع الوقت أن له نظامًا. حياتي لم تعرف التتابع؛ كانت دائرة تُعيدني دائمًا إلى النقطة نفسها، مهما تغيّرت التواريخ على الجدار. كنت أستيقظ كل صباح بشعورٍ غامض أن شيئًا ما ناقص، لا اسم له، ولا ملامح، كأنه ظلّ فكرة لم تكتمل. وحين حاولتُ أن أُسمّي ما نعيشه، أدركت أن اللغة نفسها عاجزة. فصولنا مجرّد أسماء، صيفٌ بلا ظل، وربيعٌ بلا جرأة، وشتاءٌ يتيم الغيم لا يهطل..! كل شيء كان مؤجّلًا فينا: الفرح، الحزن، وحتى الانكسار. وحده قلبك كان استثناءً؛ نافذةً سرّية يعبر منها المطر خلسة، يبلّل أيامي ثم يرحل دون وعد. عندها فقط فهمت: ليست المشكلة في الفصول، بل في القلوب التي لا تُفتح إلا متأخرة، بعد أن يتعلّم الجفاف كيف يقيم.
2. نافذة المغيب
في الصباح، جلست أمام نافذتي، كأنني أراقب شخصًا آخر يعيش حياتي. الشارع هادئ، والسماء رمادية، لكن هناك ضوء يختبئ خلف الغيم، يلوح لي أن الحياة مستمرة رغم الغياب. لم يكن الغياب جديدًا، لكنني اكتشفته فجأة… كأن كل ما أحببته، وكل ما حلمت به، مرّ من أمامي ولم ألمسه. حاولت أن أصرخ، لكن الصمت احتوى صوتي. جلست، أعدّ خيبات الأمس، وأتساءل: هل يحق للغياب أن يكتب الحياة عني؟ ثم تذكرت أن نافذة المغيب لا تغلق إلا عندما أقرر أن أمسك بالزمن بيدي، مهما كانت الخسارة.
3. أثر الظل
كلما دخلت الغرفة، شعرت بظل غائبٍ يراقبني. ليس شبحًا، بل أثر شخصٍ تركني بلا وداع. جلست على الكرسي، أعدّ النقاط التي لم أستطع إصلاحها، كل الكلمات المفقودة، كل الأمل الذي لم يصل. كان الظل يزداد وضوحًا حين أسكت، يزداد قوة حين أضحك. وفي لحظةٍ واحدة، فهمت: لا أحد يغادر حقًا، بل يترك ظلّه، وأنا وحدي أعيش مع الظل، أحادثه وأكره وجوده وأحبه في نفس الوقت.
4. صمت الجسر
على جسر المدينة، حيث يلتقي الماء بالسماء، وقفت وحدي. لم يكن أحد هناك، لا ضحكات، لا خطوات. فقط صمت يملأ المكان ويهمس بأشياء لا أفهمها. أعدت خطواتي ببطء، كل خطوة تصدح بصدى ماضيّ، وكل خطوة تُعيد لي وجوهًا غابت منذ زمن. حاولت أن أتخطى الصمت، لكن الصمت كان أكبر مني. حين نزل الليل، بقيت أستمع، وأدركت أن بعض الجسور تُبنى للصمت، وأنه أحيانًا يكون أقوى من أي كلمة.
5. النهاية المؤجلة
أمسكت بالظرف القديم مرة أخرى، ذلك الذي يضم كل ما خُدعنا به وما لم يُقال. جلست، أقرأ الرسائل، أراجع الصور، وأدرك أن الحقيقة المؤلمة ليست في ما اكتشفته، بل في انتظارها طوال الوقت. ارتديت معطفي، وخرجت، أغلقت الباب خلفي، لكن شيئًا داخلي لم يغلق. بعض الحقائق، أدركت، لا تُخبر، ولا تُعالج، بل تُحيا معنا، وتتركنا على الدوام بين الحياة والموت الصغير… إلى أن نقرر أن نعيش، مهما كانت المؤلمة.